أبي بكر جابر الجزائري

296

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ : أي فصدوا بتلك الأيمان المؤمنين عن سبيل اللّه التي هي جهادهم وقتالهم . فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ : أي يوم يبعثهم من قبورهم يوم القيامة يحلفون لله أنهم كانوا مؤمنين كما يحلفون اليوم لكم أنهم مؤمنون . وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ : أي يظنون في أيمانهم الكاذبة أنهم على شيء من الحق . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ : أي غلب عليهم الشيطان . فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ : فلم يذكروه بألسنتهم إلا تقية ولا يذكرون وعده ولا وعيده . أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ : أي أولئك البعداء أتباع الشيطان وجنده . أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ : أي إن أتباع الشيطان وجنده هم المغبونون الخاسرون في صفقة حياتهم . معنى الآيات : في هذه الأيام التي نزلت فيها هذه السورة كان النفاق بالمدينة بالغا أشده ، وكان اليهود كذلك كثيرين ومتحزبين ضد الإسلام والمسلمين وذلك قبل اجلائهم من المدينة ففي هذه الآية يحذر اللّه تعالى رسوله والمؤمنين من العدوين معا ويكشف الستار عنهم ليظهرهم على حقيقتهم ليحذرهم المؤمنون فيقول تعالى أَ لَمْ تَرَ « 1 » أي تنظر يا رسولنا إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ « 2 » اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهم اليهود تولاهم المنافقون ولاية نصرة وتحزب ضد الرسول والمؤمنين . يقول تعالى هؤلاء المنافقون ما هُمْ مِنْكُمْ أيها المؤمنون وَلا مِنْهُمْ من اليهود بل هم مذبذبون حيارى يترددون بينكم وبين اليهود معكم في الظاهر ومع اليهود في الباطن . وقوله تعالى : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 3 » أي أنهم كاذبون إذ كانوا يأتون رسول اللّه ويحلفون له أنهم مؤمنون به وبما جاء به وهم يعلمون أنهم كاذبون إذ هم غير مؤمنين به ولا مصدقين . فتوعدهم اللّه عزّ وجل بقوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً أي هيأ لهم وأحضره وذلك يوم القيامة ، وندد بصنيعهم وقبح سلوكهم بقوله إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ولذا أعد لهم العذاب

--> ( 1 ) الاستفهام تعجيبي ووجه التعجب من حالهم أنهم تولوا قوما من غير جنسهم وليسوا على دينهم وإنما حملهم الاشتراك في عداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . ( 2 ) عرف اليهود في القرآن بأنهم المغضوب عليهم وتكرر ذلك في القرآن الكريم . ( 3 ) روي عن عكرمة وابن عباس في سبب نزول هذه الآية : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان جالسا في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه إذ قال يجيئكم الساعة رجل أزرق ينظر إليكم نظر شيطان فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق قد عاينه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال . علام تشتمني أنت وأصحابك ؟ قال دعني أجيئك بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء فأنزل اللّه تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً .